لبنان وإيـران قصة العلاقة**
حين استولى الصفويون على حكم إيران، في مطلع القرن السادس عشر، وجعلوا من التشيع الإمـــامي دين الدولة والأمة، وحصنوا إيران به بإزاء الفتح العثماني "التركي السني" كان التـشـيـع يــذوي ويـتـلاشـــى، إنْ في مدارس النجف أو في مدارس خراسان، فعمد الشاه إسماعيل إلى استقدام علماء مــن جبل عامل ـ جنوب لبنان ـ لتدريس الفقه الإمامي، فكان منهم: (بهاء الدين العاملي محـمــــد بن الحسين بن عبد الصمد، 953-1031هـ ) الذي أصبح شيخ الإسلام في أصفهان في عـهـــــد الشاه عباس الكبير، والمحقق الكركي علي بن الحسين ابن عبد العالي العاملي، ت 940هـ - 1533م الذي قَدِم النجف ثم رحل إلى بلاد العجم لترويج المذهب، والسلطان حينئذ الـشـــــاه إسماعيل الصفوي الذي مكنه من إقامة الدين وترويج الأحكام، وكان يُرغِّب عامة الناس فـي تعلم شرائع الدين ومراسم الإسلام، ويحثهم على ذلك بطريق الالتزام، وكان أن جعل فـي كل بلدة وقرية إماماً يصلي بالناس ويعلمهم شرائع الدين، وبالغ في ترويج مذهب الإمامــيــــة؛ بحيث لقبه بعضهم بمخترع مذهب الشيعة.(7)
ومنطقة جبل عامل أو عاملة في قلب جنوب لبنان كانت أهم مرجعية شيعية في العالم بين القرنين الميلاديين الرابع عشر والسادس عشر، ومع بداية هذا التعاون مع الدولة الصفوية أُبيد الآلاف من السُنّة من العامة والعلماء؛ ففي تبريز ـ العاصمة ـ وحدها كان السُنّة فيها لا يـقـلـــون عن 65% من السكان، وقد قتل منهم في يوم واحد 40ألف سني!! كما أُجبر الألوف عـلــى الـتـحـول القسري إلى مذهب الإمامية(8) كما كانت هناك مؤامرات عديدة وتعاون مع قوى غربية عـلـى إســقــاط الدولة العثمانية، وهي من الأمور غير الخافية عبر التاريخ(9).
وقد استهوت التجربة الصفوية الشيعية "المضطهدين" في العراق وجبل عامل ـ جنوب لبنان ـ والـبـحـريــن، وذهـــــب العلماء بالخصوص ليدعموا تأسيس الدولة الشيعية "الصفوية" الوليدة(10).
ونـسـتـطـيــع أن نتجاوز حقبة زمنية بعيدة حتى نصل إلى صورة قريبة تبين تلك العلاقة الحميمة والوطيدة التي يحاول نفر من الناس فصلها وتزييف الواقع ووقائعه.
فقد قيل لـ حسن نصر الله الأمين العام لحزب الله: إن دور حزبه لن ينتهي؛ لأنه حزب مستورد من الخارج، (سوريا أو إيران) فقال: لنكن واضحين ونحكي الحقائق: الفكر الذي ينتمي إليه "حــــــزب الله" هــــو الفكر الإسلامي، وهذا الفكر لم يأت من "موسكو" أيام الاشتراكية ولا من "لندن وباريـــــس" ولا حتى من "واشنطن" في زمن الليبرالية، هو فكر الأمة التي ينتمي إليها لبنان، إذن نـحــن لم نستورد فكراً، وإذا كان من يقول: إن الفكر إيراني. أقول له: إن هذه مغالطة؛ لأن الـفـكتـــر في إيران هو الفكر الإسلامي الذي أخذه المسلمون إلى إيران، وحتى هذا الفكر خاص بعلـمــاء جبل عامل. اللبنانيون هم الذين كان لهم التأثير الكبير في إيران على المستوى الحضاري والـــديني في القرون السابقة؛ أين هو الاستيراد؟ هذا الحزب كوادره وقياداته وشهداؤه لبنانيون(11).
وفي إحدى الاحتفالات التأبينية التي تقام في لبنان قال إمــام جمعة مسجد الإمام المهدي الشيخ حسن طراد: إن إيران ولبنان شعب واحد وبلد واحــــــــد، وكما قال أحد العلماء الأعلام: إننا سندعم لبنان كما ندعم مقاطعاتنا الإيرانية سياسياً وعسكرياً(12).
وفي مناسبة تأبينية أخرى قال الناطق باسم حزب الله ـ ذاك الوقت ـ إبراهيم الأمين: نحن لا نقول: إننا جزء من إيران؛ نحن إيران في لبنان ولبنان في إيران(13).
ويقول محمد حسين فضل الله المرشد الروحي لحزب الله: إن علاقة قديمة مع قادة إيران الإسلامية بدأت قبل قيام الجمهورية الإسلامية، إنها علاقة صداقة وثقة متبادلة، ورأيي ينسجم مع الفكر الإيراني ويسير في نفس سياسته(14).
ويقول حسن نصر الله: إننا نرى في إيران الدولة التي تحكم بالإسلام والدولة التي تناصر المسلمين والعرب. وعلاقتنا بالنظام علاقة تعاون، ولنا صداقات مع أركانه ونتواصل معه، كما إن المرجعية الدينية هناك تشكل الغطاء الديني والشرعي لكفاحنا ونضالنا(15).
ويُؤَمِّن على كلام أمين الحزب مساعد وزير الخارجية الإيرانيـة لـلـشـــؤون الـعـربــيـــــة والإفريقية، د. محمد صدر فيقول: إن السيد حسن نصر الله يتمتع بشعبية واسعة في إيران كما تربطنا به علاقات ممتازة(16).
وقد حذر علي خامنئي مرشد الثورة من إضعاف المقاومة الإسلامية وقال: إنه يجب التيقظ ومنع الأعــــداء من ذلك، إن شعلة المقاومة يجب أن لا تنطفئ؛ لأن أولئك الأبطال واجب على إيران مساعدتهم(17).
فهكذا يتبين التـرابـــــط المتكامل بين إيران الثورة وحزب الله وشيعة لبنان، فقد أصبحت إيران الأم الرؤوم والمـحـضــــن الدافئ والمرعى الخصيب والنموذج الذي يتطلع إليه عموم الشيعة؛ فهي القبلة الدينية والسياسية لهم.
ـــــــــــــ
(7) وضاح شرارة، دولة حزب الله، ص 31 ـ 32، وانظر: أحمد الكاتب، تطور الفكر السياسي الشيعي، ص 378 ـ 385، دار الجديد، بيروت، ط/1/1998م، وانظر: تجربة الإسلام السياسي، أوليفيه روا، ترجمة نصير مروة، ص: 162، دار الساقي، ط/2/1996م.
(8) انظر: تاريخ الصفويين وحضارتهم، بديع جمعة ـ أحمد الخولي، ص 55، دار الرائد العربي، وأحمد الكاتب، مصدر سابق، ص 378، وعبد الله الغريب، وجاء دور المجوس، ط/6/1408هـ.
(9) انظر: محمد العبدة، مئة مشروع لتقسيم الدولة العثمانية، ص 77،125، وانظر: د. وجيه كوثراني، المسألة الثقافية في لبنان، الخطاب السياسي والتاريخ، ص 83 ـ 88، منشورات بحسون الثقافية.ط/1/1404هـ.
(10) أحمد الكاتب، مصدر سابق، ص 379.
(11) مجلة المقاومة، العدد. 40، ص 29، وهي مجلة شهرية تصدر في مصر، تعنى بشؤون وأخبار حزب الله، يصدرها د. .رفعت سيد أحمد مركز يافا للدراسات والأبحاث.
(12) جريدة النهار اللبنانية11/12/1986م.
(13) جريدة النهار. 5/3/1987م.
(14) حلقات الإسلام والكونجرس، الحلقة 38، ص:46 د. أحمد إبراهيم خضر، نشرت في مجلة المجتمع الكويتية، العدد. 955.
(15) مجلة المقاومة، العدد 27، ص 15 ـ 16.
(16) جريدة الشرق الأوسط، عدد. (7482) 9/2/1420هـ ـ 24/5/1999م.
(17) جريدة الحياة، العدد. (13252)، 6/3/1420هـ ـ 20/6/1999م.
ــــــــــــــــــــــــــ
استخدام إيران لبري بعد الصدر(25) كان لعدة اعتبارات:
1 ـ كان هناك إقرار وموافقة من قِبَلَ "الفقهاء" أصحاب السلطة الحقيقية - عـلـــى بــري ومنهجه والدور الذي سيؤديه، وإلا لما كان له وجود ابتداءاً باعتبار اليد الطولى للملالي.
2 ـ أن الــواقع الطائفي اللبناني أفرز عدداً من الشخصيات الشديدة التعصب لمذهبها، وإن لم تكن "مـتـديـنــة" في سلوكها، وكان بري من تلك النماذج، وهو ما تقتضيه المرحلة.
3 ـ هذه المرحلة تحول فيها الشيعة إلى العمل المسلح الظاهر، وأضحى هدفهم بالتخلص من الفلسطينيين "الســنـة" معلناً، وكان من الصعب أن تلصق المذابح التي أعدوا لها وقاموا بها بأحد الآيات أو الحـجــج، كــيـف ذلـك وهـم يـنـــــادون بالتقارب مع أهل السنة وإزالة الحواجر، وعندما وقعت ألصقت بـ "علمانيي" المنهج.
وعـلـــى ما سبق فالود باق مع بري، ولا نُغفل هنا عقيدة "التقية" التي هي من أصول دين الإمامية، وعلى هذا فيبقى في الأخير أن الأدوار توزع حسب الحالة، وليس أدل على ذلك من البـيـان الذي صدر في 8-10-1983م؛ حيث أعلن عبد الأمير قبلان ـ المفتي الجعفري الممتاز ـ باســم المجلس الشيعي الأعلى ما يلي: "إن حركة أمل هي العمود الفقري للطائفة الشيعية، وإن مــــــا تعلنه (أمل) نتمسك به كمجلس إسلامي شيعي أعلى، وبالتالي فإن ما يعلنه المجلس الشيعي تتمسك به الحركة"(26).
وجاء هذا الإعلان بـعـد البيان الذي أذيع في 27-2-1983م من أن حركة أمل لم يعد لها علاقة بالمجلس الشيعي الأعلى!!
4 ـ جاء هذا التأييد ـ الـســـابق ـ للحركة بعد الانشقاق الذي خرجت به "أمل الإسلامية" وبعد "الحضور الفعلي" لحزب الله على أرض الصراع.
5 ـ كان للسياسة الإيرانية في لبنان خطان تستعملهما في تحقيق أهدافها:
خط أول: يتلمس سبل طي الـحـــــــرب المستمرة والمقيمة ولو من خلال التفاوض مع ممثل "القوات اللبنانية"، وفي رعاية وسيط أمـكـنـــه من القيام بالوساطة احتلالٌ إسرائيلي يطوق بيروت والقصر الجمهوري ويرزح بثقله على الجنوب وعلى الجبل.
وخط آخر: رأى في الاحتلال وفي ما حفَّه مـن أدوار سياسية ودبلوماسية أمريكية وأوروبية وعربية ذريعة إلى تجديد الحرب، وإلى اخـتــبـــــار الاستراتيجية الإيرانية في ميدان غير إيران.
وبـيـنـما أملت الخط الأول عصبية شيعية لبنانية حفظت من الروابط المحلية والعالمية ومن اعــتـدال النخبة الصدرية الأولى قسطاً كان لم يزل فاعلاً، فقد أملت الخط الثاني نزعة إلى توسـيـع الـنـزاع، وإلـى تأجـيـجـــــه وتوجيهه وجهة ضم جبهة لبنان إلى جبهة الخليج والجبهات الإقليمية المشرقية، وإلى
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ